(أنا أحتاج استشارة نفسية!)
تعايشت مع الكثير من الناس الذين ما يلبثوا أن
يسمعوا هذه الجملة فيتبادر إلى ذهنهم أن المتحدث مجنون أو به اضطراب نفسي ولربما
شطحوا وقالوا عنه ملبوس أو ممسوس.
لا أرى أن الاستشارات النفسية حكراً على من
يعانون من مرض نفسي أو خلل عقلي أو أياً يكن.
فنحن في كثير من الأحيان نحتاج فقط لفهم ذواتنا
وإدراك طبيعة الحالة النفسية التي نمر بها لكي نتعامل معها بفعالية أو لمجرد الاقتناع
بأننا طبيعيون!
وتأييداً لتقديسي للجانب النفسي وإيماني الكامل
بأهميته فإن التشريع الإسلامي والدين الحنيف عندما بدأ الرسول ﷺ بالدعوة لهما فقد تنوع في دعوة الناس فدعا البعض بالمال ودعا
البعض الآخر بذكر نعيم الجنة فكل فئة حسب فهمها وميولها ومدخلها النفسي، حتى في
التحريم كان هناك تدرج ومراعاة لما ألفته نفوسهم كالخمر واعتيادهم عليه فقد كانوا مولعين
بشربه، ففي بادئ الأمر نزل التنفير منها وتحريمها في قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ
كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة:219].
فتركها بعض الناس ولم يتركها البعض الآخر استناداً إلى أخذ منفعتها، فنزلت الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43]،
فتركها البعض وشربها البعض الآخر في غير أوقات الصلاة حتى نزلت الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ} [المائدة:90]، فصارت حراماً عليهم وقد حرمت نهائياً في المدينة
المنورة في السنة الثالثة للهجرة.
...
النفسية البشرية معقدة لأنها تعتمد على البيئة
التي نشأت بها وتقتبس من كل موقف تتعرض له فأنت تتأثر بمن حولك وبما يحث لك حتى
وإن لم تشعر بذلك.
وبالنسبة لي تكمن المصيبة في كون الأهل والمربين
والوالدين على وجه الخصوص غير متفهمين أو مقتنعين بأهمية الجانب النفسي وتأثيره
بحجة أن هذا ما هو إلا غزو فكري ومصطلحات عولمة لمن تكن متواجدة في أيامهم.
أنا في بعض الأحيان أشعر بحاجتي لاستشارة نفسية
ليس لخلل أو اضطراب ولكن فقط لأصل لذروة فهم ذاتي.
(الأطباء النفسيين والاستشاريين مجانين!)
كانت والدتي -حفظها الله- تخبرني دائما أن دخول
المجال النفسي فيه مخاطرة لأن الاستشاري يصل إلى مرحلة يحلل ويفسر كل تصرف ويربطه
بما درس وحفظ من النظريات الفلسفية ولا يتقبل فكرة كونه تصرف لاإرادي أو غير مقصود وأنهم يشكون في الآخرين ولا يثقون بهم وإنهم
على حد تعبيرها (ناس عُقد).
في سنتي الأولى في الجامعة كانت إحدى زميلاتي في
الصف استشارية نفسية وترغب في الحصول على درجة علمية أخرى،
كانت طبيعية جداً ومتفهمة ومتزنة فلم ألاحظ يوماً
تصرفات جنونية أو تفسيرات نفسية زائدة عن الحد المعقول بل كانت أكثرنا صبراً
وإدراكاً وقناعة.
عذراً ماما فلقاعدتك شواذ!
في الشهرين الماضية استطعت التوصل لإجابة شافية
لكل تساؤلاتي النفسية في كتاب الله عز وجل وفي الإيمان بالقضاء
والقدر وازداد قلبي سكوناً عندما أيقن عقلي أن الله يختار لنا الخير وكل أمرنا خير
حتى إن كنا نراه شراً لنا فنحن لا نعلم الغيب ولا نحسن تدبير الغيبيات بل إن
طبيعتنا البشرية عاجزة عن إدارة شؤونها المستقبلية فيكفينا أننا نتوكل على من يحسن
التدبير ويقدر ونحن لا نقدر ويعلم ونحن لا نعلم، فلما الجزع؟!
تعاملنا مع الأحزان والمصائب والخسارات على أنها
خير لنا وأنها إنقاذ لنا مما هو أسوأ يبعث في نفسي طمأنينة ورضا.
وجدت راحة كبيرة عندما بدأت أتعامل مع أغلب
مجريات حياتي الدنيوية وفقاً للآية الكريمة: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو
الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
ما حاجتي للغضب والسخط عندما يحدث مالا أريده أو
أخسر ما كنت أتمنى امتلاكه وكل هذه الدنيا ستنتهي وحياتي التي سأغضب لأجلها لعلها
تنتهي بعد ساعة من كتابتي لهذه الكلمات، اليقين بأن الدنيا زائلة وأننا نعبد إله
عادل وقادر على كل شيء يصغر الدنيا في عيوننا ويمنحنا أملاً بالغد لأننا ببساطة لا
نعلم ماذا تحمل لنا الساعات القادمة فلعل الفرج الذي طالما تمنيته سيكون بعد ساعات
أو لعل الأمنية التي خبأتها في قلبي شهوراً ستتحقق مع إشراقة شمس الغد.
تنفس بعمق وثق برب لا ينساك طالما أنك تدعوه
وتؤمن بألوهيته وتحسن الظن به.
سبحان الله الذي يغير ما بنفوسنا عندما يبتلينا
ليختبر صبرنا.
سبحان الذي يسوقنا إليه عند ضعفنا وعجزنا.
سبحان الذي يلهم قلوبنا لتدعيه وتتضرع إليه.
سبحان الذي لا ينسى دعواتنا ويستجيبها لنا فإن
لمن تكن خيراً لنا دفع بها عنا السوء أو خبائها لنا يوم يبعثون.
سبحان الذي يمنحنا قوة لنصنع من مصائبنا فرصة
لتعويد النفس على الصبر وإحسان الظن بالله.
وبالإضافة لكل هذه الإيجابيات فأنت مأجور.
بدأت أبحث عن حلول اضطراباتي النفسية في القرآن
وفي تقوية إيماني وصلتي بالله وبالفعل أجد في نفسي راحة ويقين وسكينة.
ولكنني لا أمانع من الاستشارة وفهم الذات والتصالح
معها لأننا لم نمنح العقول والفكر إلا لنحسن استخدامهم ونتمتع بهذه الهبة الربانية
التي تميزنا بها عن بقية المخلوقات.
أهوى القراءة في كتب علم النفس والتنمية البشرية
لأنني أطمح لفهم سلمى أكثر وأكثر
أطمح لذروة تقدير ذات سلمى ولمنحها بيئة إيجابية
تحيا بها.
أنا أحترم الحالة النفسية وأتغاضى عن الكثير من
التصرفات التي لا تعجبني ممن هم حولي فقط لأنني أعلم الظروف النفسية والضغوطات التي يمرون بها أو لمجرد أن ما يفعلوه لا يعنيني ولا يؤثر علي وعلى سير يومي ولكن أعاتبهم لأنهم لم يصلوا لمرحلة التصالح مع الذات والتحكم بها
وتقنين اندفاعتها.
وأذكرهم دوماً بأننا لسنا مجبرين على تحمل طيش
وهيجان نفسياتهم المضطربة فلكل منا مشاكله وهمومه فليتعامل معها بحكمة ويعتقنا
لوجه الله.
